ابن عربي

222

فصوص الحكم

من ( 1 ) الخبيث فلا إدراك له . فما حُبّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الطيب من كل شيء وما ثَمّ إلا هو . وهل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب من كل شيء ، لا ( 2 ) يعرف الخبيث ، أم لا ؟ قلنا هذا لا يكون : فإنا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه وهو الحق ، فوجدناه يكره ويحب ، وليس الخبيث إلا ما يُكْرَه ولا ( 3 ) الطيب إلا ما يُحَبُّ . والعالم على صورة الحق ، والإنسان على الصورتين فلا يكون ثمَّ مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد من كل شيء ، بل ثم مزاج يدرك الطيب من الخبيث ، مع علمه بأنه خبيث بالذوق طيب بغير ( 4 ) الذوق ، فيشغله إدراك الطيب منه عن الإحساس بخبثه ( 5 ) . هذا قد يكون . وأما رفع الخبث ( 6 ) من العالم - أي من الكون - فإنه لا يصح . ورحمة الله في الخبيث والطيب . والخبيث عند نفسه طيب والطيب عنده خبيث . فما ثم شيء طيب إلا وهو من وجه في حق مزاج ما خبيث : وكذلك بالعكس . وأما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة . فقال « وجعلت قرة عيني في الصلاة » لأنها مشاهدة : وذلك لأنها مناجاة بين الله وبين عبده كما قال : « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » . وهي عبادة مقسومة بين الله وبين عبده بنصفين : فنصفها لله ونصفها للعبد كما ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى أنه قال « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ( 7 ) : فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل . يقول العبد * ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * : يقول الله ذكرني عبدي . يقول العبد * ( الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ ) * : يقول الله حمدني عبدي . يقول العبد * ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * : يقول الله أثنى علي عبدي . يقول العبد * ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) * : يقول الله مجدني عبدي : فوَّض إليَّ عبدي . فهذا النصف كله له تعالى خالص . ثم يقول العبد * ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) *

--> ( 1 ) ا : والخبيث ( 2 ) ب : ولا ( 3 ) ن : وليس ( 4 ) ب : بعين ( 5 ) ب : بخبيثه ( 6 ) ب : الخبيث ( 7 ) ن : بنصفين .